المقريزي
193
المقفى الكبير
يسرعوا في السير حتى تحمل العرب برمّتها عليهم ، فحينئذ يكون الرمي عليهم من غير أن يحملوا على العرب ، بل يستقرّ كلّ واحد من العسكر في موضعه . وركب ساقة العسكر وأفرد العرب ناحية وحرّك الطبول ، فحملت عرب جعفر على العسكر حملة واحدة برماح فيها ما يبلغ طوله ثمانية أذرع وسنانه قدر الذراع ونصف ، فرشقهم العسكر بالنشّاب ، وأصيب غرلوا « 1 » [ 248 ب ] وسقط عن فرسه فتلاحقوا به وأركبوه . فلم تثبت العرب للسهام ورجعت . ثم حملت حملة ثانية ثم أخرى حتى تمّ لهم سبع حملات ، وهم ينهزمون فيها . ووصل العسكر إلى بيوتهم فإذا هي في جزيرة كلّها غابة أشجار ، فقاتلوا عند البيوت قتالا عظيما حتى انهزموا إلى الجزيرة . فمنع أيتمش العسكر من اقتحامها عليهم وحمى حريمهم من النّهب ونادى : من تعرّض لنهب بيت شعراء ودخل إليه قتل - ونادى بنهب الأغنام والجمال خاصّة ، فاشتغل العسكر بها وظفروا منها بما لا يدخل تحت حصر ، فكان الواحد يسوق المائة وفوقها ويترك أضعاف ما أخذ . واقتحم بعض الغلمان بيوت العرب فصاحت النسوان ، فأخرج أيتمش الغلمان وقطع أيدي عدّة منهم وسقّ أنوف جماعة وقطع أعصاب طائفة ، فلم يجسر أحد بعدها [ أن ] يدنو من الحريم . وبات العسكر على غاية التيقّظ والاحتراس . فلمّا أصبح سار عائدا ومعه ستّمائة من الأسرى بعد ما قتل عددا كثيرا في الحرب . فعرضهم وعفا عنهم . وافتقد عسكره فوجد فيهم اثني عشر قد جرحوا وقتل منهم فارس واحد . وحاز العسكر مالا عظيما حتى أبيع الجمل من عشرين إلى ثلاثين درهما والرأس الغنم بدرهم ، ولم يبق للصوف والسمن قيمة من كثرته . واستمرّ ستّة أيام بالسلاح ، وبعث بالبشارة إلى السلطان ، فبعث للقائه الأمير الجاي الساقي فأخذ خمس ما مع العسكر من المال للسلطان ، وفرّق ما بقي في العسكر فجاء نصيب الواحد ما بين أربعة جمال إلى خمسة ، وما بين عشرين رأسا من الغنم إلى ثلاثين . وعاد أيتمش بمن معه إلى القاهرة فشكره السلطان وخلع عليه . ثم بعثه إلى القان أبي سعيد بن خربندا في سنة اثنتين وعشرين ، وعلى يده هدايا جليلة ليعقد الصلح بينه وبين أبي سعيد . وأنعم عليه بألفي دينار ، فسار بتجمّل لم يسر بمثله أحد ممّن توجّه في الرسالة إلى الشرق من مصر ، فما ترك أحدا من مماليكه حتى عمل له الكلفتاه زركش والقبا بطراز ذهب [ 232 ب ] وشبه ذلك من الخيل والعدد فإنّه كان كبير الهمّة عارفا كريما . فلمّا قدم ماردين تلقّاه صاحبها وأكرمه وبعث إليه التقادم ، فلم يقبل منه إلّا يسيرا ، وحمل إليه الهديّة السلطانيّة ومعها تقدمة « 2 » من جهته . فأركبه عند فراقه فرسا وقاد معه بغلا وهجينا « 3 » . فلم يبعد عن [ 249 أ ] ماردين غير قليل حتى تلقّاه بعض أمراء أبي سعيد بالإقامات إلى أن قدم توريز . [ ف ] ركب الوزير خواجا علي شاه ومعه المجد محمد السلاميّ « 4 » إلى لقائه ، فأكرمه وجهّزه إلى الأردو . فأجلّ القان أبو سعيد قدره وناوله الهنّاب « 5 »
--> ( 1 ) شجاع الدين غرلوا الجوكندار . السلوك 1 / 192 . ( 2 ) التقادم : الهدايا . ( 3 ) الهجين : مركوب من الإبل . ( 4 ) مرّت ترجمة المجد [ إسماعيل بن ] محمد السلامي ص 181 رقم 781 ( ت 743 ) وهو من أكابر تجّار الخاصّ أي الرقيق الأتراك . ( 5 ) الهنّاب : القدح من الشراب ، ولعلّ الكلمة انتقلت إلى اللغات الغربية فيقال في الفرنسيّة مثلا Hanap ( وانظر دوزي في المادّة ) .